ابن كثير

172

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وغلمان في زي الجواري فقالت : إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي ، قالوا : فأمرهم سليمان فتوضؤوا ، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء وجعل الغلام يغترف فميزهم بذلك ، وقيل بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها والغلام بالعكس ، وقيل بل جعلت الجواري يغسلن من أكفهن إلى مرافقهن ، والغلمان من مرافقهم إلى كفوفهم ولا منافاة بين ذلك كله ، واللّه أعلم . وذكر بعضهم أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء لا من السماء ولا من الأرض ، فأجرى الخيل حتى عرقت ثم ملأه من ذلك ، وبخرزة وسلك ليجعله فيها ففعل ذلك واللّه أعلم أكان ذلك أم لا ، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات ، والظاهر أن سليمان عليه السلام ، لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية ، ولا اعتنى به ، بل أعرض عنه . وقال منكرا عليهم أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ ؟ أي أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم ؟ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ أي الذي أعطاني اللّه من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ أي أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف ، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف . قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنه : أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة ، فلما رأت رسلها ذلك ، قالوا : ما يصنع هذا بهديتنا ، وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ أي بهديتهم فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها أي لا طاقة لهم بقتالهم وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً أي ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة وَهُمْ صاغِرُونَ أي مهانون مدحورون . فلما رجعت إليها رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها ، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة ، معظمة لسليمان ناوية متابعته في الإسلام ، ولما تحقق سليمان عليه السلام قدومهم عليه ، ووفودهم إليه فرح بذلك وسره . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 38 إلى 40 ] قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 38 ) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 ) قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال : فلما رجعت إليها الرسل بما قال سلميان قالت : قد واللّه عرفت ما هذا بملك ، وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكابرته شيئا ، وبعثت إليه : إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك ، ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه . وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ، ثم أقفلت عليه الأبواب ثم قالت لمن خلفت على سلطانها : احتفظ بما